رابطة الإعلاميين الجزائريين في الخارج
2017/04/27
المقالات والتعليقات الواردة
في موقع الرابطة لا تعبر إطلاقا عن رأيها عدا الموسومة منها باسم الرابطة
2015 - 2017
التناول الإعلامي لظاهرة الفساد الاقتصادي داخل المؤسسات الجزائرية.

التناول الإعلامي لظاهرة الفساد الاقتصادي داخل المؤسسات الجزائرية.

  • 2 شباط (فبراير) 2016
  • 662
  • المقالات

شهدت الدولة الجزائرية منذ الاستقلال إلى يومنا هذا، العديد من التحولات والتطورات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ساهمت وبشكل كبير في ظهور العديد من القضايا والمشكلات التي أثارت القلق على مستوى الباحثين والرأي العام المحلي، ألا وهي قضايا الفساد بكل أنواعه وأشكاله، التي حالت دون بناء مؤسسات قوية، وعرقلت مسار تحقيق التنمية المستدامة.

د. محمد الفاتح حمدي.

جامعة جيجل/ الجزائر.
البريد الإلكتروني:hamdifatah@yahoo.fr

فالتحولات السياسية التي عرفتها الجزائر خلال السنوات التي مضت، والتي كانت بدايتها عام 1965، والذي أطلق عليه ما يعرف بالتصحيح الثوري، وانتهاء بأحداث 1988، وتوقيف المسار الانتخابي، ودخول البلاد في دوامة من العنف المسلح،كل هذا أدى إلى ما يعرف بأزمة الشرعية، التي كانت نتائجها عكسية وسلبية على واقع ومسار الحياة السياسية في الجزائر، حيث أصبحت تلوح في الأفق العديد من القضايا المتعلقة بالفساد في هذا المجال منها شراء الأصوات، تزوير الانتخابات، القيام بحملات سياسية مشبوهة، تمويل الأحزاب السياسية بطرق غير قانونية وغير نزيهة وسوء استخدام الممتلكات العامة في العملية السياسية.
هذه المظاهر السياسية كان لها أثر واضح على واقع الحياة الاجتماعية، التي شهدت هي الأخرى عدة تحولات خاصة إبان العشرية السوداء، وما أفرزته من قضايا مختلفة،كقضية النزوح الريفي، التي لازالت تعاني منها الدولة الجزائرية إلى حد اليوم، حيث ترتب عنها ظهور العديد من المؤشرات والمظاهر الخاصة بالفساد الاجتماعي، منها انتشار البيروقراطية، سوء معاملة المواطنين، انتشار الفقر، وارتفاع نسبة البطالة، وضعف المستوى المعيشي، وارتفاع معدلات الجريمة بين أفراد المجتمع الواحد.
أما فيما يخص التحولات الاقتصادية التي عرفتها الجزائر، سواء في ظل النهج الاشتراكي القائم على الاقتصاد الموجه، أو في ظل النهج الرأسمالي القائم على الاقتصاد الحر، حيث أثرت وبشكل كبير على واقع المؤسسات الاقتصادية، التي عانت من ويلات الفساد الذي شهدته على مراحل مختلفة،كقضية اختلاس الأموال التي حدثت على مستوى وزارة الخارجية، خلال 70 من القرن الماضي وفضيحة 26 مليار دولار التي فجرها رئيس الوزراء الأسبق عبد الحميد براهيمي في بداية التسعينات، وفضائح سوناطراك 1و2 وقضية الخليفة وغيرها من القضايا الأخرى، المتعلقة بالفساد الاقتصادي، والتي لازالت تشكل إحدى الطابوهات بالنسبة للشعب الجزائري اليوم.
انطلاقا من التحولات والتطورات السابقة، وما أفرزته من قضايا ومشكلات متعلقة بمختلف قضايا الفساد، والتي تحدث على مستويات مختلفة، تدفعنا للحديث بشيء من التحليل والتفصيل عن الفساد الاقتصادي، ومختلف الأشكال التي يتخذها داخل المؤسسات الجزائرية ذات الطابع الاقتصادي، التي أصبحت تمثل بالدرجة الأولى العمود الفقري أو عجلة الاقتصاد الوطني، فهذه المؤسسات كما هو معلوم عرفت تطورات على مراحل زمنية متعاقبة كان أولها في ظل النظام الاشتراكي حيث كانت المؤسسات تخضع للقانون العام و الرقابة العامة، وبالتالي كانت الدولة هي التي تتحمل مديونية المؤسسات العمومية مما أثر بشكل سلبي على نجاعة وفعالية الاقتصاد الوطني، ولكن في ظل الظروف الاقتصادية التي عرفها العالم بصفة عامة والجزائر بصفة خاصة، دفع بأهل الاختصاص التوجه نحو اقتصاد السوق وتطبيق فكرة الاستقلال المالي للمؤسسات.
وعلى الرغم من القفزة النوعية التي عرفتها المؤسسات الاقتصادية في الجزائر، في ظل مختلف الظروف والأحداث التي شهدتها الساحة العالمية آنذاك، إلا أن ذلك لم يشفع لها في التخلص من شبح ظاهرة الفساد، التي أصبحت بمثابة عائقا يقف في وجه المؤسسات الاقتصادية، ويحول دون تحقيقها لأهدافها، بل ازداد الأمر سوءا، وعرف الفساد استفحالا رهيبا، حيث انتشر وبشكل ملحوظ خاصة في السنوات الأخيرة، متخذا عدة أشكال وما يترتب عنها من أثار وانعكاسات على واقع المجتمع الجزائري بصفة عامة، والمؤسسات الاقتصادية بصفة خاصة، فالرشوة مثلا التي أصبحت بمثابة عادة مألوفة بين أفراد المجتمع، تعتبر شكل من أشكال الفساد الاقتصادي، الذي جعل معظم المؤسسات الجزائرية اليوم، تعاني من انتشار فضيع وكبير لهذه الظاهرة، التي أصبحت تهدد كيان الاقتصاد الوطني، وذلك راجع إلى عدة عوامل أساسية، منها حالة التسيب، وعدم تفعيل القانون، بما يتماشى والمصلحة العامة للوطن، حيث كشف مختصون ومحققون في قضايا الفساد، بأن البحبوحة المالية التي تعرفها الجزائر،ساهمت وبشكل كبير في تنامي قضايا الفساد، خاصة فيما يتعلق بالصفقات العمومية المتعلقة بأهم المشاريع الكبرى، كما أن الشركات الكبرى تخصص صندوقا أسود بملايير الدولارات، لتقديم رشاوى وعمولات لتمرير مشاريعها واستثماراتها، وتبرر ذلك بفضاء المنافسة العالمية بين الشركات، وهذا ما أفادت به الباحثة حسان نادية حيث أكدت أن " تفشي الفساد في الدولة يجبر المؤسسات على مسايرته، من خلال دفع رشاوى مما يجعلها تهدر مواردها المالية"،كما أضافت المتحدثة في السياق نفسه أن " الفساد تسبب في عرقلة التنمية في الجزائر،كما أنه أثر بشكل كبير على الاستثمار الأجنبي"، فالرشوة على هذا الأساس يمكن تصنيفها في خانة الداء الخطير، الذي يشكل خطرا على واقع المؤسسات الجزائرية ويهدد مستقبل الأجيال القادمة،كما يؤثر على عجلة التنمية والاستثمار الأجنبي ولتأكيد هذه الحقيقة يكفي إقرار خطاب رئيس الجمهورية السيد عبد العزيز بوتفليقة لهذه الحالة في خطابه بتاريخ 29 ماي 1999 عندما قال:" إن الدولة مريضة معتلة، إنها مريضة في إدارتها، مريضة بممارسة المحاباة والمحسوبية، والتعسف بالسلطة والنفوذ، وعدم جدوى الطعون والتظلمات، مريضة بالامتيازات التي لا رقيب عليها ولا حسيب، مريضة بتبذير الموارد العامة ونهبها بلا ناه و رادع........" ، بالإضافة إلى الرشوة نجد كذلك من بين أشكال الفساد الاقتصادي، الاختلاس حيث تعتبر عمليات الاختلاس التي تعرضت لها المؤسسات الجزائرية على مدار عقود من الزمن وإلى غاية يومنا هذا، من بين الجرائم الاقتصادية التي تؤثر بشكل سلبي على الاقتصاد الوطني للدولة، حيث وقعت وللأسف الشديد عمليات وجرائم اختلاس كبيرة على المال العام بشكل سريع و متزايد، وهذا راجع إلى عدم تطبيق العقوبات الردعية، مما شجع الغير على الاختلاس وتكوين ثقافة عدم تناسب العقاب مع الجريمة، فكل هذا أدى إلى ظهور ما يعرف بإمبراطوريات الفساد، أو إمبراطوريات القرن ولعل من أبرزها، إمبراطورية الخليفة، وقضية 3200 مليار دينار لعاشور عبد الرحمان والتي لازالت كلها بين أروقة المحاكم، كما شهدت بعض المؤسسات الاقتصادية في الآونة الأخيرة بعض الاختلاسات المالية، منها ما حدث مع مؤسسة نفطال مؤخرا بسيدي أرزين ببلدية براقي، حيث تعرضت لاختلاس أموال عمومية قدرت قيمتها حسب مصادر إعلامية ب: 3ملايير و 500 مليون سنتيم، وإخفاء عائدات متحصل عليها من الاختلاس والتزوير واستعمال مزور في محررات رسمية.
ومن بين أنماط الفساد الاقتصادي الذي أصبح يشكل خطرا محدقا على كيان وسيرورة المؤسسات الاقتصادية في الجزائر نجد ما يعرف بالتهرب الضريبي الذي تلجأ إليه معظم المؤسسات اليوم لتفادي دفع الضريبة مستغلة في ذلك بعض الثغرات القانونية، أو لجوئها إلى أساليب أخرى احتيالية، كما يمكن إرجاع قضية التهرب الضريبي إلى دوافع أخرى كالدوافع الاقتصادية مثلا مما يؤدي إلى إعاقة النمو، وتخريب التنمية مما يسبب في جميع الحالات عدم تمكن الدولة من تطبيق أهدافها الاقتصادية والاجتماعية، مما يؤثر بطريقة أو أخرى على عجلة الاقتصاد الوطني، وفي هذا المجال أكد وزير العلاقات مع البرلمان السيد ماحي خليل لدى استضافته في إحدى البرامج الإذاعية حيث تحدث وبإسهاب عن القيمة الكبيرة للتهرب الضريبي حيث أكد قائلا بأن" حجم التهرب الجبائي إلى غاية نهاية 2014 قد وصل إلى حدود 5000 مليار دينار، وهذا بسبب استفحال الاقتصاد الموازي الذي دعا إلى تنظيمه، فكل هذا تتحمله الخزينة العمومية ويؤثر بلا شك على اقتصاد الدولة الجزائرية".
أما فيما يخص الشكل الموالي فلا يقل خطورة عن بقية أشكال الفساد الأخرى والذي أصبح يشكل عبئا على معظم المؤسسات الاقتصادية اليوم ليس على المستوى المحلي فقط ولكن حتى على المستوى العالمي، ألا وهي ظاهرة تبييض الأموال هذه الظاهرة التي أطلق عليها البعض مصطلح الجريمة المنظمة، أو مصطلح الجريمة العابرة للقارات، حيث تعتبر من اخطر جرائم العصر الحالي، وذلك لاعتبارها التحدي الحقيقي أمام مؤسسات المال والأعمال، لأنها ترتبط بأنشطة غير مشروعة وعمليات مشبوهة، حيث تعتمد على ضخ الأموال الملوثة في الأسواق بأشكال وطرق متنوعة، بغية تحقيق أهداف وغايات مختلفة مما يؤدي إلى انعكاسها بشكل سلبي على الاقتصاد الوطني، وبالتالي الحد من فعالية الخطط والبرامج الاقتصادية والاجتماعية، كما ينتج عن هذه الظاهرة كذلك تدهور العملة المحلية، وارتفاع نسبة البطالة، وانخفاض الدخل القومي، بالإضافة إلى الأشكال السابقة الذكر هناك أشكال أخرى من الفساد الاقتصادي منها النصب و الاحتيال، الابتزاز السرقة.......الخ.
وفي سبيل رصد الصورة العامة لقضايا الفساد الاقتصادي بالمؤسسات الجزائرية، تبرز إلى الواجهة مهمة وسائل الإعلام بكل أنواعها في التصدي لمثل هذه الظاهرة من خلال القيام بعملية البحث والتحقيق في مختلف ملابسات المواضيع المشبوهة، المتعلقة بمختلف قضايا الفساد التي تهم المواطن الجزائري، فلو عدنا بأدراجنا إلى الوراء قليلا لوجدنا أن القطاع الإعلامي في الجزائر مر بمراحل مختلفة، وذلك حسب طبيعة الظروف والأحداث التي كانت تشهدها الساحة العالمية بصفة عامة والساحة الجزائرية بصفة خاصة، ففي عهد الحكومة الجزائرية الفتية إلى غاية نهاية السبعينات، قامت السلطة الجزائرية بالسعي إلى تكوين إعلام عمومي، يشمل كل من الصحافة المكتوبة، والإذاعة والتلفيزيون ، ووكالة الأنباء، غير أن الإعلام في هذه المرحلة كان موجها، يتناول مختلف القضايا والأحداث وفق ما يتماشى وسياسة الحزب الواحد، الرامي إلى شرح وتفسير برامج الثورة الاشتراكية التي تبنتها الدولة الجزائرية، إضافة إلى ذلك تميزت هذه المرحلة بالرقابة الصارمة المفروضة على مختلف وسائل الإعلام، وهذا راجع بالدرجة الأولى إلى طبيعة النظام السياسي السائد آنذاك.
أما المرحلة الثانية التي شهدها القطاع الإعلامي فكانت مابين 1979-1988 حيث توجت هذه المرحلة بالمصادقة على أول تشريع إعلامي جزائري عام 1982 حيث شكل هذا القانون منعطفا في تاريخ الإعلام الجزائري، قانون كان نتاج لنظام سياسي أعطى هامش من الحرية لوسائل الإعلام وخاصة منها المكتوبة، إلى أن جاءت المرحلة الثالثة والممتدة مابين 1988 إلى غاية يومنا هذا، حيث تزامنت هذه المرحلة مع عملية الانفتاح الديمقراطي التي عرفتها الجزائر وما شهدته من أحداث متسارعة غيرت من واقع الخريطة الإعلامية ومدى تعاطيها مع مختلف القضايا، خاصة المتعلقة بقضايا الفساد الذي هز كيان المؤسسات الجزائرية. حيث شهدت هذه المرحلة وبعد مخاض عسير، صدور قانون الإعلام يوم 03 أفريل 1990 الذي أقر بتعددية الإعلام المكتوب وحرية التعبير، الأمر الذي منح فرصة ظهور العديد من الصحف الوطنية مثل: الوطن، الخبر، الشروق وغيرها من الجرائد الأخرى.
ويتجلى سر نجاح الصحافة المكتوبة في الجزائر في احتضانها لهموم وانشغالات المواطنين، كما لعبت دورا بارزا في الكشف عن معاقل الفساد والمفسدين، هذا على الرغم من المضايقات والإبتزازات التي أصبحت تعترض طريقها في سبيل القيام بدورها، رغم ذلك إلا أنها لم تتوان في القيام بواجبها تجاه هذا الوطن وأبنائه، كما أصبحت لها مكانة على الساحة الإعلامية وذلك راجع إلى قيامها بمختلف الدراسات حول الفساد وانتهاج أساليب معالجته ومحاربته، حيث جاء في دراسة أكاديمية حديثة أن الصحافة المكتوبة الخاصة هي أكثر الصحف الوطنية التي تحارب وتعالج الفساد في الجزائر، من خلال معالجتها اليومية لقضايا الاختلاس والرشوة، واستغلال النفوذ، كما صنفت الجرائد الخاصة على أنها الأكثر جرأة في فتحها للملفات، وتخصيص مساحة هامة لها، وأفادت الدراسة التي جاءت بعنوان "المعالجة الإعلامية لقضايا الفساد في الصحافة الجزائرية"، والتي تم عرضها في الملتقى الوطني الثاني حول الفساد وآليات معالجته المنظم بجامعة بسكرة، بأن"الصحافة الخاصة" لا تتوان عن ذكر مصادر الأخبار الخاصة بالفساد الاقتصادي، بما يمنحها المصداقية والموضوعية والاحترافية في معالجة مثل هذه القضايا".
مراجع الدراسة:
- بوجردة مخلوف:العقار الصناعي،(الجزائر:دار همومةللطباعة والنشر،ط1،د،س)،ص27.(بتصرف)
- زبيرفاضل:"الشركات الاجنبية تخصص ملايير الدولارات لدفع رشاوى وعمولات"،جريدة الخبر،العدد(6678)،06 افريل2012،ص4.
- التصريح مأخوذ من موقع: http://www.uni-medea.dz ،تم زيارة الموقع يوم 19جانفي2015 على الساعة 14:40سا.
- مجيد مصطفى:"مؤسسة نفطال ضحية اختلاس ما يقارب 3.5 مليار سنتيم"، جريدة الفجر، العدد(4341)،18 جانفي2015،ص10.
- سعيد بشار:"الخزينة تخسر5000مليار دينار بسبب التهرب الجبائي"جريدة الخبر، العدد(7649)،22 ديسمبر2014، ص7.
- زبير فاضل :"الخبر أكثر الصحف التي تحارب وتفضح الفساد في الجزائر"، جريدة الخبر، العدد(6678)،6 افريل2012، ص4.

التعليقات