الإعلام.. يأكل أبناءه أيضا!
بقلم: فتيحة بوروينة
ليس هناك قطاع يأكل أولاده مثلما يفعل قطاع الإعلام.. هو يتهم الجزائر (السلطة) بأكل أبنائها بأن تدفع بهم إلى ركوب زوارق الموت وأكل (الحشيش) أو الانتحار شنقا، لكن (الفاعلين) في هذا القطاع يمارسون بينهم وضد بعضهم البعض (الاقتتال) الصامت ويحرّرون بظلمهم (شهادات وفاة) العديد من الكفاءات بأن ظلوا وما يزالون سببا في مضّي هؤلاء باتجاه المقاهي والحمّامات الشعبية، وفي أحسن الأحوال إلى الأسواق العمومية باعة للسردين، يلفّونه في أوراق الجرائد التي لا تباع نكاية في أصحابها!
إن المحاباة والعروشية والمحسوبية والتزلف (عملات شائعة) كما يقول الفرنسيون داخل أروقة الإعلام.. والأخير لم يعد يختلف عن قطاعات أخرى في الدولة من حيث تقاسم نفس هذه المظاهر.. فكل شيء يخضع للمحاباة في الجزائر، التعيينات والتكريمات وحتى النقد الأدبي للروايات، ولهذا السبب صار الإعلام تماما كما الجزائر يعّج بـ"النجوم" لكن من ورق! والأخيرة تصنع من (مقص) و(مسطرة)!
إن الإعلام الذي يطمح أن يكون (سلطة) رابعة حقيقية يعيد (المتنّفذون) فيه إنتاج مفاسد السلطة (الفعلية) فصار بعضهم مفسدا وفاسدا بل متواطئا مع فساد السلطة (الأولى) لزيادة الرفاه وكلما (تفانى) هؤلاء في إبعاد من يزعج السلطة الفعلية، مالية كانت أو سياسية أو عروشية، أغدق عليهم (الشاكرون) الثناء والمال على حد سواء! والاستقالات المتتالية التي يضعها الصحفيون فوق مكاتب رؤساء التحرير كثيرة وتغري تفاصيلها لتكون مواضيع بحث مذكرات التخرج من معهد علوم الإعلام والاتصال والمدرسة العليا للصحافة وقد توصي لجان المناقشة بنشرها حالا!
والأمثلة كثيرة على (فساد) الإعلام الذي يهجّر أبناءه من قاعات التحرير ومن البلاد أيضا لكنها لا تجد طريقا إلى النشر على صدر الصحف نفسها التي تمارس الظلم على صحافييها، ولا شك سنقرأ الكثير من صور هذا الفساد يكشفها الذين اضطروا إلى مغادرة الجزائر باتجاه فضاءات أرحب للعيش الكريم في ما بات يعرف قبل أسبوع فقط بـ"رابطة الإعلاميين الجزائريين في الخارج".. لا شك سيكتبون أن البحث عن الرفاه لم يكن وحده سبب (تحزيم ) الحقائب...
إن ما كشفت عنه صحيفة "الوطن" نقلا عن مسؤول نافذ في الرئاسة وقولها إن ثمة مخططا للقضاء على صحيفتي "الخبر" و"الوطن" سـ"يقبض" روحهما بعد أقل من 6 أشهر، بل وتشديدها أن مسؤولي نشر في وسائل إعلام (ليست صديقة) على علم بالمخطط وليست تفوّت فرصة لإطلاق النار عليهما كلما كان ذلك متاحا، هو قمة الفساد الإعلامي!
إن رضا قطاع من الصحافة على سياسة (العصا والجزرة) التي (تجّوع) زملاء وتزيد في (انتفاخ بطون) زملاء آخرين هو فساد إعلامي..
وبحث بعض الصحفيين عن (بطولات) وهمية بالتحايل على الحقيقة، وممارسة التغليط على الرأي العام وزملاء المهنة على حد سواء هو وجه من أوجه (الفساد الإعلامي)، فيما أرغمت ظروف "أبطالا" في الإعلام على (رمي المنشفة) وبعضهم نزل ضيفا على السجون ولا أحد من (الرأي العام) سمع به أو اكترث لأمره، وأضعف الإيمان أن يتقاسم زملاء المهنة (حيف) هؤلاء على صفحاتهم على الفايسبوك وتويتر.. وقد يتحرّج زملاء من وضع (جامات) عليها اتقاء غضب (أولياء النعمة)...
وسكوت (الإعلام) عن سكوت (البرلمان) وسكوت الأخير عن سكوت (العدالة) تجاه كل التراشقات بالفساد الحاصلة بين وزراء وبرلمانيين وبين مؤسسات الدولة، مثلما تكشف عنه قضايا نهب المال العام المعروضة الآن أمام المحاكم هو فساد مطلق (يغرف) منه المتنفذون في الإعلام ولا يشعرون بأنهم (يسرقون) من أبناء هذا القطاع كل (النبل) الذي تعلّمهم إياه مراجع مدارس الإعلام!
بعض الطيور تأكل بيضها، ومثلها القطط والأرانب تأكل أولادها.. وبعض الدول والحكومات المتخلفة، البعيدة طبعا عن بلاد سيدنا عيسى عليه السلام، تأكل لحم أبنائها تماما كما تأكل الحيوانات لحم جنسها، وقد يقود استمرار (الكانيباليزم) الإعلامي، أي استمرار قطاع الإعلام في أكل لحم أبنائه وهم أحياء، إلى تشويه ما تبّقى من (صدقية) الصحافة.