الزميل سوكحال :على حدود القتال في "عاصفة الحزم"
بقلم: مصطفى سوكحال مراسل قناة الحرة
عندما طلب مني التوجه الى الحدود السعودية اليمنية لتغطية الحرب ضد الحوثيين لم يخطر ببالي أبدا أن المهمة ستكون سهلة على الإطلاق على الرغم من أن السعودية لي تجربة السفر إليها والعمل فيها، لكن هذه المرة الوضع بالنسبة لي يختلف؛ فالأمر يتعلق بوضع عسكري في أقصى جنوب المملكة وعند الحدود التي تشكل صداع رأس للرياض خاصة في ظل العمليات العسكرية لعاصفة الحزم في اليمن.
عندها وجدت نفسي أسابق الزمن لألم بكل مفاعيل الأزمة وبخاصة ما استجد منها استحضرت ذاكرتي بلاد العرب أوطاني، من نجد إلى يمن .. إلى السعودية هذه المرة لتغطية جزء يقترب من اليمن أكثر أنها إمارة جازان، وعنها ما يخطر في البال عما طالعته في كتب التاريخ القديم عن قصص بني تهامة والحجاز واليمن وممر القوافل على مر التاريخ الطويل وبعدها إمارة نجران، وقد سمعت عن الأخيرة أيضا في كتب تاريخ العرب القديمة منذ طفولتي أو كما هي في مخيلتي منذ الصغر قلب الجزيرة العربية ومهدا مهما لحضاراتها وثقافاتها المتعاقبة.
ما أعرفه عن اليمن كان من خلال أناس التقيتهم في حلي وترحالي بين دول مجلس التعاون على مدى أكثر من أربع سنوات وقد عرفت البسطاء خاصة منهم عن قرب في الرياض التي قادتني إليها مهمة عمل العام 2014 لتغطية زيارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما إلى السعودية التي التقى خلالها العاهل الراحل الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود، حينها جمعتني فرصة العمل مع المصور الشاب اليمني بوبكر والمساعد بوعبد الرحمن ذاك الرجل المسن الذي كنا نعتمد عليه في تنقلاتنا اليومية وهو العارف بمفاصل وشوارع العاصمة الرياض. لم يكن بوبكر وبو عبد الرحمن سوى نموذج عن اليمنيين الذين رأيتهم يجولون الشوارع ويتموقعون في محلاتهم وبقالاتهم وأماكن عملهم الأخرى بمظهرهم المتواضع وأخلاقهم العالية وتفانيهم في كسب لقمة العيش حالهم حال من صادفتهم في مطارات وأسواق الرياض مكة وجدة ودبي والكويت وقطر.
ومع قرب انطلاق الرحلة أسئلة كثيرة كنت أطرحها عن اليمن فالخبر في عناوين الصحف ومحطات الإذاعة والتلفزيون عشية سفري كان إعلان وزارة الدفاع السعودية عن سقوط أكثر من خمسمئة قتيل حوثي في المواجهات الحدودية بقطاعي جازان ونجران منذ انطلاق عملية عاصفة الحزم ومقتل ضباط سعوديين أيضا على الحدود.
كانت المحطة الأولى الرياض ومنها رصد أصداء الأزمة اليمينة، والبداية كانت من قاعدة الرياض الجوية مكان انعقاد الإيجاز الصحفي اليومي للناطق باسم عاصفة الحزم العميد الركن أحمد عسيري في تلك القاعة ليس من انطباع آخر غير أن للحرب أدواتها النفسية والإعلامية، فهذه الفلسفة المسيطرة على الحروب العسكرية أصبحت سمة بارزة في طبيعة العلاقات بين المتنازعين والمتحاربين إذ أن حديث الرجل العسكري يبدو في ظاهره محاولة لإثبات الثقة في النفس أي لدى الطرف المتمثل في التحالف ومن يقوده، أما في باطنه هواجس وحسابات لاعبين إقليميين ودوليين تقاطعت إحداثياتها كلها في عيني العميد وهو يسرد للصحفيين تفاصيل ومعطيات ساحة اليمن الملتهبة بنيران المقاتلات يوما بعد يوم.
ولا ننسى أن وجودنا في الرياض صادف حصول تطور على الصعيد الدبلوماسي في الأزمة اليمنية تمثل في قرار مجلس الأمن 2216 تحت الفصل السابع تطور وهو لم نفوت الفرصة لاستجلاء المواقف حياله وإن كانت القراءات يومها لا تخرج عن نطاق نشوة انتصار دبلوماسي لا تكاد تكتمل أمام حجم الهواجس عن متى وكيف ستنتهي المعركة وهل ستعود الشرعية لمن يريده السعوديون ومعهم الخليجيون رئيسا لليمن وهي أسئلة بدت تحوم في أجواء كل تجمع سياسي أو عسكري أو إعلامي في الرياض.
وبين أماسي الإيجاز الصحفي وصباحات الرياض جولات ميدانية في أسواقها بحثا عن فئة واسعة في المجتمع السعودي، شعرت وكأنني أرغمت مع مرافقي أن تكون الوجهة أسواق طيبة لأنني كنت أرغب في التوجه بالكاميرا إلى سوق البطحاء بوسط الرياض فقد فُسح المكان هناك لليمينين ولباقي الجنسيات من العمالة لكن لا فرق فاليمنيون تزيد أعدادهم في أكثر من موقع وقد تبين لي بعد طرح السؤال مرات عدة عن عدد اليمنيين في السعودية قال لي البعض نحو مليون، ورد آخر أو يزيدون.
في أسواق طيبة في قلب الرياض كفت ووفت قصة الشاب اليمني أكرم العولقي بتفاصيل لحظات وأيام يعيشها ومعه نظراؤه من القادمين إلى المملكة من محافظات اليمن الأشد تأثرا بالمعارك الدائرة فأكرم القادم من شبوة لم ير منطقته منذ أن غادر اليمن قبل أزيد من ثلاث سنوات، وفي محل بيع الساعات وجدنا غَمَ فراق الأهل وهَمَ الحرب يجتمعان على أكرم، وقد اشتد توتره وخوفه مما يحمله القادم لأهله الذين بات يخشى من تعقد طرق إرسال المال إليهم بسبب المواجهات وما خلفته من دمار، كان أكرم يتحدث إليّ أمام الكاميرا وكادت عيناه تغرقان بالدموع وبنبرة حزينة لم تخف مشاعره تجاه وطن وأفراد أسرة يعيلهم هناك.
يرافقنا أكرم لبضعة دقائق في وسط السوق ويعرفنا باليمنيين ولسان حالهم أن المغترب اليمني يعيش أحداث بلده ويتفاعل معها قلقا وخوفا على مصير من تركوهم خلفهم خاصة على أوضاعهم المعيشية تركنا أكرم والمغتربين منهم من طاب له المقام في الرياض ومنهم من قست عليه.
لنشد الرحال بعدها إلى جازان، فليست جيزان كما يسميها أهلها أي مركز الإمارة الأقرب إلى الأحداث من ناحية التأثير على الحياة اليومية، وإنما يستغرق التنقل إلى مناطقها وخطوطها الفاصلة مع الجانب اليمني حوالي الساعة والنصف إلى الساعتين حسب امتداد الخط الحدودي لجازان، وبدأت المهمة إذن في اليوم نفسه الذي وصلت فيه بعد رحلة استغرقت ما يقارب الساعتين بين الرياض وجازان، وما كنت لأتحرك لو ما أنني اخترقت جدارا صلبا من الإجراءات والموافقات التي تكبلني كالعادة اخترقته فقط من أجل الإنجاز وكسب رهان الوقت فأمامي سلسلة قصص ومواعيد على المباشر في نشرات الأخبار والبرنامج.
في مدخل محافظة الطوال بجازان حيث نقترب من منفذ الطوال وهو الأكبر بين الجانبين والذي يتم عبره ستون بالمئة من النشاط التجاري كتب على لافتة لا تخطئوها العين "القات سبب رئيس للأرق" هنا بدأ الشعور يتعمق في النفس على أن المكان برائحة اليمن وقاته الذي يهيم فيه اليمنيون عشق.
وككل مكان أجول فيه في كل رحلة تشدني التفاصيل الدقيقة والعادية جدا في حياة الناس والسكان المحليين في تجارتهم وسلوكهم وملبسهم حتى إذا بي أشاهد وأنا على متن السيارة على جوانب الطريق أغلب المظاهر توحي إلى نمط عيش يقترب إلى اليمن أكثر منه إلى السعودية، وعلى منفذ الطوال الحدودي ولحظة أخذ لقطات على بعد بضعة أمتار من بوابة الحرس والجمارك السعوديين لمحت عيني رجلا مسنا يدلف من الجانب اليمني عبر البوابة باتجاه السعودي وهو يحاول حث الخطى بعيدا عن حرب أثقلته حتى دنوت منه مسرعا، هو الحاج محمد العواجي سألته هل أنت يمني؟ أو هكذا اعتقدت من خلال هيئته وطريقة لباسه اليمنية فإذا به يجيبني لا أنا سعودي من قبيلة العواجي القحطانية منذ عهود العرب الأولى، ويحرص الحاج محمد في سرد سلسلة نسب طويلة لم أحفظها كلها، بدا الشيخ في تعامله معي ببريق رجل حكمة قادم من زمن بعيد فالحاج محمد العواجي الذي تقدم به العمر في متابعة فصول أزمات اليمن روى لي معاناته في محاولة الوصول لأبنائه وأحفاده الأربعين حيث يقضي يومياته في التنقل بين جانبي الحدود موزعا ما جمعه من مال ومؤونة في جازان على عائلته التي يعيش بعض أفرادها في الجانب الآخر من الحدود، ومن بين ما توقفت عنده في كلامه الذي شد تركيزي لتفكيك ما يقول بلهجته الخاصة قوله إنه يخاف وهو في طريقه إلى قرية عائلته، ويشير إلى جوازه السعودي. تخاف من ماذا؟ أسأله مرة أخرى، فيجيب أخاف من قطاع الطرق أن يتعرضوا لي وخوفي من أن يكونوا من الحوثيين فيكتشفوا بأنني سعودي !
حاج محمد يعتبر نموذجا لكثير من الأسر السعودية واليمنية التي ربطتها علاقات مصاهرة يحدثنا أحد سكان المنطقة عن الروابط الاجتماعية بين سكان الحدود السعودية اليمنية ويفيدنا بأن تسعين بالمئة من القاطنين في القرى والمناطق على الحدود هم نسيج متشابك حسب تعبيره وينتمون إلى قبائل تعيش على حدود البلدين وتمتد إلى أخرى في العمق اليمني البالغ عددها نحو مئتي قبيلة في تركيبة اجتماعية تكاد توصف بالمعقدة.
قصة مثيرة هي الأخرى فرضت نفسها صدفة عند المنفذ، تلك الحال التي كان عليها أبو عامر السعودي وبهيئته اليمنية وهو من سكان قرى جازان كان بوعامر يعود أدراجه إلى الأراضي السعودية من المنفذ بعد أن منعه الحرس والجمارك من العبور حيث كان يتجه إلى عائلته في إحدى القرى اليمنية القريبة من الحدود وعلى كتفه كيس أبيض محملا بكمية دقيق لا تتجاوز الخمسة عشر كيلوغراما. بدأ بوعامر يشكو لي حاله وحال أسرته التي قال لا توجد بحوزتهم مؤونة، فالبقالات والأسواق مغلقة ولا يجدون ما يأكلون "إنهم جائعون" وهي عبارة وردت في مشهد له أكثر من دلالة!
أنهيت يوما من اللقاءات مع أهالي المناطق الحدودية عند منفذ الطوال ومن اكتشاف وشائج القربى القديمة هناك وأوضاع العالقين إلى لحظة الاقتراب من خط النار الفاصل والمسمى حرث، وهي جبهة قتال كانت تصوب منها فواهات المدفعيات والآليات العسكرية المنتشرة لحرس الحدود والقوات السعودية وعيون الجند باتجاه الطرف اليمين المقابل، لم نتوقف فالمنطقة عسكرية لا مجال في عبورها سوى تمنيات بالسلامة وسؤال متى ينتهي الطريق الطويل. وقد أفدنا قبل يوم من الوصول إليها باندلاع مناوشات مسلحة في المنطقة بل وتتكرر بين الفينة والأخرى بين القوات السعودية ومن يوصفون هناك بميليشيا الحوثي وجماعات المهربين.
وبينما دخلت العملية العسكرية أسبوعها الرابع نقاط حدودية للحرس السعودي على أهبة الاستعداد على مدار الساعة ليل نهار حاولنا سبر أغوار المكان المسمى قطاع الداير مئة واثنان وعشرون كيلومترا عن مدينة جيزان، وعورة تضاريس المنطقة الجبلية وطول الطريق الملتوي عمّق في النفس صعوبة المهمة خاصة ونحن نتجه صوب المنطقة المتاخمة لصعدة لنطل بعد حوالي خمسة وأربعين دقيقة على عمق الأراضي اليمنية من على آخر نقطة مراقبة لحرس الحدود وهي خط المواجهة الأول المسماه جريثن، فأجواء التأهب العسكري هنا على أعلى درجة. كنت أحاول رصد معنويات هؤلاء من الحرس والمدعومين بأفراد الجيش لكن درجة حساسية الموقع فرضت على الجنود الالتزام بمواقعهم وسط صمت رهيب يسيطر على الموقع العسكري ومجال الرؤية هناك جبل فاصل ومنحدرات تصل بوادي قرى آل ثابت اليمنية التابعة لمحافظة صعدة وغير بعيد عنها قبائل بني مالك السعودية، فيما أصابع الجنود وحرس الحدود لا تبتعد قيد أنملة على الزناد والنواظير والكاميرات الحرارية الموجهة لرصد أي تحرك أو تهديد في أية لحظة، محاولا استغلال وجودي في هذا الموقع كنت أوجه المصور إلى كل زاوية كل حركة وكل تفاصيل المكان حتى بلغ المشهد وكأن برهبة ما تنتابني من حدوث المفاجأة لكن سرعان ما سيطرت على الموقف بخطوات إلى الخلف ضمانا للأمان كما قال لي القائد العسكري والذي تحدث إليّ مفصلا عن أهمية النقطة الحدودية التي تعد خط التماس مع الحوثيين حيث صعدة معقلهم وحيث شهد المكان على معارك عنيفة خاضتها قبل سنوات القوات السعودية مع الحوثيين وانتهت بسيطرة كل طرف على قرى حدودية هي إلى اليوم تشعل شرارة المواجهة المسلحة في مناطق يتعزز فيها نفوذ لحوثيين.
وعند هذه النقطة الحدودية بين اليمن والسعودية تظهر بوضوح صورة فريدة من نوعها عن التداخل والتعايش باتت من الماضي. فهل يعود التعايش ليُـبعد عن المنطقة شبح توتر قد لا تقتصر تبعاته على هذه الحدود على الرغم من أن المعادلة أصبحت صعبة بكل المقاييس خاصة أن الحلول الوسط تبدو منعدمة وسط ذاك الحشد العسكري غير المسبوق، ومن زوايا المشهد كله عدت بسؤال متى وكيف ستنتهي المعركة في صراع بدا لي أكثر تجذرا وعمقا خارج نسق أحداث الوقت الراهن.